فخر الدين الرازي
50
شرح عيون الحكمة
هذا الترتيب لا إلى أول . وحينئذ ينسد باب اثبات واجب الوجود ، لأن القول بحوادث لا أول لها ، لما كان حقا عند الفلاسفة ، فلعل المقتضى لكل حادث آخر قبله ، لا إلى أول . وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى اثبات واجب الوجود . أما المتكلمون . فلما كان القول بحوادث لا أول لها باطلا عندهم ، لا جرم تخلصوا عن هذا السؤال ، وقالوا : لا بد من انتهاء الحوادث إلى الحادث الأول . وذلك الحادث الأول ، لا بد له من فاعل قديم . وأما الفلاسفة . فلما تعذر عليهم دفع هذا السؤال بهذا الطريق . ذكروا طريقا آخر ، فقالوا : العلة الموجدة يجب أن تكون موجودة مع المعلول في الزمان . فلو تسلسلت العلل والمعلولات إلى غير النهاية ، لزم كونها بأسرها موجودة ، دفعة واحدة . وذلك محال عندنا . انما المجوز عندنا : كون كل واحد من الحوادث مسبوقا بغيره سبقا زمانيا لا إلى أول . فثبت : أن الفلاسفة لا يمكنهم اثبات واجب الوجود الا بالبناء على هذا الأصل . فنقول : الذي يدل على صحة هذا الأصل ما ذكره « الشيخ » وهو : أنه إذا كان وجود هذا الأثر متعلقا بذلك المؤثر ، فمن الممتنع أن يحصل وجود هذا الأثر ، مع أن تلك العلة ليست موجودة . فان قال قائل : نحن لا نقول إن وجود هذا الأثر متعلق بوجود ذلك المؤثر في الحال عندنا ، بل إنه متعلق بوجود ذلك المؤثر في الماضي . فان ادعيتم أنه ليس الأمر كذلك ، فهذا دعوى عن المنازع فيه . فنقول : يجب علينا تتميم هذه الحجة بحيث نسقط عنه هذا السؤال . وتقريره : أن نقول : تأثير المؤثر في وجود الأثر اما أن يحصل حال وجوده أو لا حال وجوده . فإن كان الأول وجب أن يكون موجودا حال وجود الأثر ، لا كونه مؤثرا في الحال مع أنه لا حصول له في الحال محال . وان كان الثاني فحينئذ يصدق في الزمان الماضي أنه حصل التأثير ، وصدق فيه أنه لم يحصل الأثر . فحينئذ يلزم أن يقال : انه حصل التأثير مع عدم الأثر . وهذا محال لوجوه : الأول : انه لو كان الأمر كذلك ، لكان التأثير مغايرا للأثر ، وحينئذ يكون التأثير في ذلك الأثر زائدا عليه . ويلزم التسلسل .